نذير حمدان
31
حكمة القرآن والحضارة
بفلسفته العضوية كان يقدّر التاريخ والعلم تقديرا عظيما . من كتابه : العلم والعصر الحديث ( ص 358 ) ولكنه يحذّر الفلاسفة من استخدام مناهج العلوم الطبيعية حيث لا يمكن لهم أن يحققوا نقد التجريدات بوسيلة التعميمات التجريبية على حدّ قوله . وهكذا يتضح وجهة كلّ مذهب من العلوم التطبيقية وبخاصة أولئك الفلاسفة الذين شهدوا ويلات التقانة الحديثة في تدمير الحضارة البشرية الشامل ، فرفضوا المادية الطاغية وإنجازاتها المدمرة ، على حين أن قلّة منهم استطاعوا أن يهذّبوا طغيانها العلمي المادي بطروحات كنسيّة تأثّرت مسائلهم العقلية بها فانحرفت كثيرا عن الموضوعية والتجرد من شوائب تعاليمها ورواسب مبادئها . - وأخيرا : فإن الفلسفة التوماوية نسبة إلى القديس توما الأكويني أصبحت تعتبر في منتصف القرن 20 واحدة من أهم الحركات الروحية وبخاصة في فرنسا وبلجيكا بسبب ما عقد التوماويّون من مؤتمرات مثل مؤتمر 1933 وخصّص لما يسمى بالفلسفة المسيحية ، ومؤتمر 1935 الذي درس العلاقات بين الفلسفة والعلوم الطبيعية ، حيث إنهم يقبلون كل الأفكار الجزئية التي تقدمها المدارس الأخرى . وإذ أنهم يعترفون بنتائج العلوم باعتبارها جزءا حقيقيا من المعرفة الإنسانية فإنهم يتعمّقون في دراسة الفلسفة ويؤلفون فيها بما يؤيد وجهة نظرهم ودعوتهم الكنسيّة ، وفيما عدا ذلك فلا نجد لهذه الفلسفة نشاطا علميا ولا مشاهير في العلوم سوى ما عرف عن ( بوشنسكي ) الكاثوليكي المهتم بالمنطق الرياضي ومؤلف كتاب : الفلسفة المعاصرة في أوروبا ، الذي أخذت منه المعلومات السابقة مع ما فيها أحيانا من انحيازات كنسية مرفوضة . ونتيجة لما سبق : فإن انتعاش الفلسفة اليوم وقع على حساب تخلّيها عن العلوم العقلية والتطبيقية في قضاياها المحدودة ونظرياتها المختلفة التي أضحت أشبه بالصّرعات المتوالية ليس وفق تعارضها وتباينها وحسب ، وإنما بانحرافات كبيرة في حالات التطبيق والالتزام وما يكتنفه من التشويه المقصود وغير المقصود .